العمل الإنساني في ظل جائحة كورونا.. الاتجاهات والمآلات
تعاني المنظمات الإنسانية اليوم من أزمات مركبة، فبعد تنامي حاجات المستفيدين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة داخل بعض الدول، تطل أزمة فايروس كورونا (COVID-19) برأسها كأحد التحديات الجديدة أمام هذه المنظمات، لتجد نفسها في مآزق وأوقات عصيبة تُختبر خلالها قوة التخطيط وفاعلية السياسات، وكفاءة القدرات المؤسسية ومتانة أركان العمل المؤسسي السليم فيها.
ولفائدة المنظمات الإنسانية، وبعد الاطلاع على تحليلات ودراسات عدة مصادر عربية وأجنبية حول مآلات الأمور المتوقعة بعد جائحة كورونا وتداعياتها خلال الفترة المقبلة، فقد تم إعداد هذا المقال بتبصّرٍ متأنٍّ للاستفادة منه في زيادة الكفاءة في توزيع الموارد المحدودة للمنظمات والعمل على التدابير الاستباقية بدلاً من آليات الاستجابة، والاستفادة منه كذلك في التخطيط المرحلي والمستقبلي لمنظمات العمل الإنساني، واتخاذ الخطوات اللازمة التي تضمن ديمومة عمل المنظمات واستمراريته.
تالياً سنذكر كيف سيبدو العمل الإنساني بعد أزمة كورونا، وسنبين ما هي المبادرات والمشاريع المستخلصة من الواقع الجديد والتي ستعود بالنفع على العمل الإنساني مستقبلاً:
خلال المرحلة القادمة وبعد الجائحة، ستزداد الطبقية داخل بعض الدول، وبالتالي ستنعدم المساواة وستزداد نسب الفقر والحاجة، وهذا يتطلب زيادة المشاريع الموجهة نحو الفقراء والفئات المهمشة من قبل منظمات العمل الإنساني.
ستزداد وتيرة الصراعات والنزاعات، وهذا يتطلب من منظمات العمل الإنساني إعطاء أولوية لإنشاء صناديق الاستجابة الفورية وقصيرة الأجل للتضامن ضد (COVID-19) والقدرة على الصمود على المدى الطويل، كما يتطلب تسهيل إجراءات الاستجابة الإنسانية التي ستكون أكثر صعوبة وأكثر تكلفة.
سيتسبب تغير المناخ والصراع في ارتفاع عدد الأشخاص المحتاجين للمساعدات الإنسانية الدولية إلى (200 مليون) بحلول عام (2022) حسب المصدر (United Nations OCHA)، وبالتالي ستجبر أزمة المناخ العاملين في المجال الإنساني إلى اتباع نهج أكثر استدامة للمأوى وتوفير الطاقة ومصادر المياه والمساعدة الغذائية، ما يعني أن على منظمات العمل الإنساني أن تعمل على إعادة تحويل دورها وأن تجعل هناك نصيباً أكبر للمشاريع البيئية (مشاريع توفير الطاقة واستدامة المأوى والمساعدات الغذائية ومصادر المياه ومشاريع الإصحاح).
سيزداد تفشي الأمراض المعدية مع صعوبة السيطرة عليها، وهذا يتطلب من منظمات العمل الإنساني التعاون مع الحكومات لتوفير التشخيص السريع للأمراض المعدية، للحد من الأشخاص المعرضين للخطر، وزيادة برامج التطعيم والرعاية الصحية الجيدة، والتغطية الصحية الشاملة، وزيادة الاستثمار في النظم الصحية.
ستحدث طفرة في التطور التكنولوجي، وهذا سيؤدي إلى وصول غير متكافئ للتكنولوجيا وترك الكثيرين خارج هذه الوتيرة السريعة للتغيير، لا سيما البلدان التي ما زالت تكافح لتحقيق اتصال بنوعية (3G/الجيل الثالث) على قِدَمه، وسيؤدي ذلك إلى خلق فجوة متنامية بين من يملكون ومن لا يملكون التكنولوجيا، وهذا يتطلب من منظمات العمل الإنساني أن تكون أكثر اعتماداً على التكنولوجيا، وأكثر تفكيراً بمحو الأمية التكنولوجية، وتعزيز المجتمعات بالتعليم التقني، والاعتماد أكثر على المساعدات الرقمية.
ستزداد أعداد منظمات العمل الإنساني، وستزداد حاجة الحكومات إلى المنظمات الإنسانية وسيُطلب منها تبوّء أدوار إضافية في تقديم الخدمات، أي أن الأفضل التوجه إلى إنشاء منظمات جديدة للعمل الإنساني بأدوار إضافية متجددة حسب الأوضاع التي يُتوقع حدوثها.
ستزداد أعداد العاملين في المجال الإنساني، وسيصبح هنالك شواغر وظيفية أكثر في المجال الإنساني، ومع ذلك، سيزداد الاعتماد على العاملين من السكان الأصليين لكل بلد، وستستمر وظائف الوافدين إلى كل بلد في الانخفاض بسبب زيادة قدرة الموظفين الوطنيين على القيادة، ومحدودية وصول الوافدين إلى بعض المناطق، وبسبب توطين الأدوار الإدارية لبعض المنظمات .
العمل التطوعي (بدون مقابل مالي) سيختفي ببطء، ولن يكون الناس قادرين على تحمل تكاليف العمل بدون أجر، وهذا يتطلب من المنظمات الإنسانية رصد تكاليف أكبر لمواردها البشرية. ولكن من المرجح أن تستمر المنظمات الإنسانية الأصغر التي تعتمد على العمل التطوعي المجاني في استخدام المتطوعين بدون أجر، لكن مع مزيد من التقدير لجهودهم.
ستزداد حاجة العمل الإنساني إلى التعليم عن بُعد والتدريب التقني والخبرة المهنية، وستتغير نوعية الموارد البشرية التي يحتاجها العمل الإنساني وتخصصاتها، كما ستتغير بعض الوظائف لتصبح أكثر اعتمادية للعمل عن بُعد، وستظهر وظائف جديدة بمسميات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
بما أن المنظمات الإنسانية تعتمد على التمويل بشكل مباشر، وستزداد حاجتها إلى ذلك، فستحتاج هذه المنظمات إلى تكاليف إضافية لإدارة الأعباء الجديدة التي تعكس الشفافية الإدارية وتحقق الرقابة والمساءلة والحوكمة.
لا شك أن الركود الاقتصادي الذي سببته الجائحة سيكون له تأثير على العمل الإنساني كونه في الغالب يعتمد على التمويل من المنظمات الاقتصادية وملّاكها الموسرين. غير أن ذلك التأثير ربما لا يكون شاملاً، فبالمقارنة مع الأزمة الاقتصادية لعام (2008م) وحسب الدراسة البحثية ”Charitable Giving in the UK” التي قام بها المجلس القومي للمنظمات التطوعية ومؤسسة المعونة الإنسانية في بريطانيا، حيث درست أثر الركود الاقتصادي الذي حدث عام (2008م) على العمل الإنساني في بريطانيا، وقد وجدت الدراسة انخفاض حجم التبرع للعمل الإنساني في بريطانيا بنسبة (11%) فقط، وفي أمريكا بلغت نسبة الانخفاض في التبرع للعمل الإنساني (6.3%) فقط، وعلى النقيض فقد ارتفعت نسبة التبرعات في كندا إلى (12%). كما أشارت الدراسة إلى أن نسبة المتبرعين البالغين في بريطانيا بعد الركود بقي مرتفعاً حيث بلغ أكثر من نصف عدد السكان (54%). ولعل ذلك يعود إلى كون التبرع وفعل الخير يعتبر جزءاً أساسياً في حياة الإنسان كونه مرتبط بالديانات السماوية.
سيكون القطاع الإنساني أسرع من غيره من القطاعات في التعافي من أثر الركود، ولتعزيز ذلك، على المنظمات الإنسانية أن تبذل قصارى جهودها في التواصل الشخصي مع المانحين للحفاظ عليهم، كما أن عليها أن تعمل على تطوير نماذج عملها وتنويع مصادر دخلها بدلاً من الاعتماد على المصادر التمويلية المعتادة، إضافة إلى بناء تحالفات جديدة مع المؤسسات والمنظمات الأخرى لتعزيز مستويات الدعم المتبادل في قطاع العمل الإنساني.
وكملخص تنفيذي لما سبق، يمكننا تلخيص مجالات التدخل وفق بعض أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر (SDGs)، والتي باتت بحاجة إلى إعادة تحديد بعد جائحة كورونا، لنستخلص المبادرات والمشاريع التالية التي يمكن للمنظمات التركيز عليها للتخفيف من وقع الجائحة عليها، ونورد المبادرات والمشاريع هنا على سبيل الذكر وليس الحصر:
استثمار جائحة كورونا وتداعياتها فيما نتج عنها من حاجة إلى التركيز على المشاريع القائمة وإعداد مشاريع جديدة في مجالات: الفقر والغذاء، والصحة، والتعليم التقني، والمأوى، والطاقة.
إنشاء صناديق الاستجابة الفورية وقصيرة الأجل للتضامن ضد (COVID-19)، وتسهيل إجراءات الاستجابة الإنسانية السريعة في تقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين.
إنشاء منظمات إنسانية بأدوار جديدة أو بإعادة هندسة أدوار بعض المنظمات الإنسانية القائمة، بما يضمن استثمار الموارد والقدرات البحثية لهذه المنظمات فيما يخدم أكثر مجالات التحدي في جائحة كورونا، وبما يضمن كذلك مساهمة هذه المنظمات في جهود الاستجابة العالمية، لمساعدة العاملين الصحيين في الخطوط الأمامية للقيام بعملهم المنقذ للحياة.
في مجال الموارد البشرية: الاستثمار في الموارد البشرية المحلية، واستقطاب الطاقات المحلية، واستقطاب الموارد البشرية النوعية، وإعداد برامج لتحفيز العاملين، وبرامج لتقدير المتطوعين.
بذل المزيد من الجهود في التركيز على العمليات التقنية والتسويق الرقمي، وبناء العلاقات العامة، والتواصل والاتصال الفعال مع المانحين.
الاستثمار في التدريب وبناء القدرات المؤسسية والمعرفية.
تحقيق أدوات الرقابة والحوكمة بما يعود بالنفع على المنظمات وشفافية عملياتها.
كما يجب الانتباه إلى بعض الأمور التي تدعم المناعة الذاتية للمنظمات في ظل جائحة كورونا، والتي تضمن الحث على الإبداع والابتكار في طرق استمرارية العمل ودرّ الدخل، ومراجعة الأدوار والمهمات المتجددة التي ذكرناها ونركز عليها تالياً لتقوية المناعة الذاتية المستقبلية لمنظمات العمل الإنساني:
توفير خدمات جديدة أو تقديم حلول وأفكار إبداعية حسب مقتضيات الأزمة ونشاط المنظمة، وتعزيز العالم الافتراضي في دورة حياة المنظمات.
التغلب على التحدي الإعلامي، لأن على المنظمات الإنسانية في ظل هذه الظروف والمخاطر أن تكون على مستوى الحدث إعلامياً بما يضمن استمرار قناعة المانحين بأداء هذه المنظمات وبقدرتها على تنفيذ المشاريع بكفاءة واقتدار.
تفعيل التسويق الرقمي للبرامج والمشاريع، وإقناع المانحين باستمرار دعم المشاريع في ظل الأزمات.
التواصل الفعال مع المنظمات المانحة عن بُعد، ونشر تحديثات على الموقع الإلكتروني للمنظمة، واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي والقوائم البريدية للعملاء لتوضيح التزام المنظمة بوعودها والإجراءات التي تتخذها لحماية المستفيد وخدمته، وغير ذلك من الأدوار المجتمعية التي تود المنظمة أن تقوم بها، لأن محدودية السفر وإجراءاته الجديدة، ومنع الفعاليات والمؤتمرات الدولية، ستعيق عمليات حشد الموارد المالية وبناء الشراكات والتشبيك من أجل تحقيق الأهداف.
الإسراع في تجهيز البنية التحتية التقنية اللازمة للتواصل الإلكتروني والعمل عن يُعد، والتعديل في آلية تأدية العمل والاعتماد على الوسائل التي توفرها التكنولوجيا قدر الإمكان، وهو ما يضمن استمرارية الأعمال من خلال تكثيف الحاجة إلى التقارير الإلكترونية، وعقد الاجتماعات عن بُعد، ومتابعة الأعمال البينية في الدول عبر تقنية الاتصالات المرئية.
الاستفادة من البرامج الحكومية لدعم المنظمات الإنسانية، والمتمثلة في تقديم المنح المالية والدعم الفني لتمكين المنظمات وزيادة قدراتها لأن تكون شريكاً فاعلاً في تنمية المجتمع.
EN