العمل التطوعي ودوره الأصيل في بناء مستقبل مجتمع يسوده الاطمئنان
إن الناظر إلى المجتمعات في هذه الأيام يدرك بكل وضوح كيف أصبح العمل التطوعي ركيزة أساسية في بنائها، وكيف أنه ينشر التماسك الاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد، فالعمل التطوعي ممارسة إنسانية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بكل معاني الخير والعمل السامي الهادف إلى بناء المجتمع ورفعته.
ونقصد بالعمل التطوعي مساهمة الأفراد في أعمال الرعاية والتنمية الاجتماعية، سواء بالرأي أو العمل أو التمويل أو بغير ذلك من الأشكال، وهو يقوم على تعاون الأفراد بعضهم مع بعض في سبيل تلبية احتياجات مجتمعهم، وهذا يشير إلى أن العمل التطوعي ينشأ أساساً بناء على فهم صريح من المتطوعين لاحتياجات المجتمع الذي يعيشون فيه.
فكيف يمارس العمل التطوعي دوره الأصيل في بناء مستقبل مجتمع يسوده الاطمئنان وتظلّله المودة؟
لقد بدا ذلك واضحاً من خلال خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وأهدافها السبعة عشر، والتي أقرتها كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مطلع سبتمبر 2015، حيث رسمت هذه الخطة خارطة طريق بعيدة الرؤى لسائر الدول والجهات المعنية، كي تعمل جاهدة على إيجاد عالم ينعم بالازدهار الآمن والإدماج الاجتماعي والتطور المستدام، كما سعت بالتزامن مع ذلك إلى الحفاظ على الموارد الطبيعية والحرص على عدم إهمال أحد.
والعمل التطوعي بمتطوعيه، هو أحد الأدوات التي تساهم بشكل كبير في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، عبر تجاوز التحديات التي تقف دون تقدم المجتمعات ورفاهيتها، وهو كما جاء في التقرير الذي أُعدّ بتكليف من أمانة خطة العمل لإدماج العمل التطوعي في خطة التنمية المستدامة لعام 2030، ونُشر في يوليو 2020: "في الوقت الذي نكتب فيه هذا التقرير، يرزح العالم تحت وطأة جائحة تبرز ما يجمعنا من إنسانية مشتركة، وتعزز حاجتنا إلى التعويل على نقاط قوتنا الجمعية في تصدينا للتحديات العالمية. وما يبشر بالخير، أن المتطوعين والمتطوعات قد أظهروا مدى الأهمية البالغة للتعاون معاً أكثر من أي وقت مضى على الأرجح، ليتسنى لنا تذليل التحديات الماثلة. وتكفينا مطالعة عناوين الأخبار اليومية لنرى بأم أعيننا البراهين على تطوع كثير من الناس لتلبية احتياجات مجتمعاتهم بكل شجاعة والتزام وإبداع".
وحيث أن "التقديرات تشير إلى وجود مليار متطوع سنوياً يسعون إلى مساعدة مجتمعاتهم أو إحداث الفرق في القضايا التي يحفلون بأمرها"، حسبما ورد في "برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين 2018"، فإنه ومع ذلك، علينا الاتفاق على أن "العمل التطوعي ليس حلا سحرياً ولا مقترحاً بسيطاً، فالمساهمات التي يتيحها تقتضي الانتظام في سياق معقد ومتداخل من القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تتعرض لتغييرات جمة"، كما ورد في "الاستعراض العالمي للعمل التطوعي 2015 الصادر عن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر"، وهو الأمر الذي يعني ضرورة وجود جهات تنظم العمل التطوعي وتقوم على إدارته، حتى يصبّ في المصلحة المجتمعية الواحدة، ويعظم من مخرجاته في بناء مستقبل مجتمعي تسوده المودة.
وهو كذلك الأمر الذي يدفعنا في مملكة البحرين إلى الراحة والاطمئنان، في ظل العهد الزاهر لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، عاهل البلاد المفدى حفظه الله ورعاه، وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، حيث يحفل المجتمع بالكثير من الجمعيات الأهلية والمنظمات الإنسانية التي ترسم الإطار المجتمعي المتسق لتوحيد جهود المتطوعين نحو تحقيق الأهداف المجتمعية، وتكامل إنجازاتهم للمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وهو الأمر الذي جعل للمنظمات الأهلية تأثيراً حيوياً وفاعلاً في المجتمع بكافة فئاته، حتى برهنت هذه الجمعيات بأنها ركيزة أساسية فيما تشهده مملكة البحرين من تطور وتقدم في مسيرتها التنموية الشاملة.
كما أن "مستقبل التطوع يعني الاستثمار في مسيرة طويلة صوب تحقيق التنمية المستدامة، على هدى من هدف مشترك هو بناء مستقبل يشعر فيه الجميع بالاطمئنان"، وهي إحدى إجابات استقصاء حول صياغة مستقبل التطوع. وكدليل على أهمية ذلك وما تضمنته مقالتنا هذه، فإن الأمم المتحدة تطلق سنوياً "برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين"، وهو برنامج مفتوح طيلة العام لجميع الطلاب الدوليين الجامعيين والخريجين والطلاب الجدد والمتقدمين من جميع أنحاء العالم، للانضمام إلى برنامج تطوعي عالمي مدفوع الأجر، وهو أحد أفضل الفرص للعمل مع المتدربين المتطوعين لدى الأمم المتحدة.
ومن جهة أخرى، فإن التطوع وسيلة مهمة لراحة نفس المتطوع وشعوره بالاعتزاز والثقة بالنفس، لأنه يقوي عند المتطوعين الرغبة بالحياة والثقة بالمستقبل، ويعزز لديهم الانتماء والمشاركة في بناء المجتمع، وينمّي قدراتهم ومهاراتهم الشخصية والعلمية والعملية، ويتيح لهم الفرصة للتعبير عن آرائهم وأفكارهم في القضايا العامة التي تهم المجتمع، كما أنه يوفر لهم فرصة تأدية الخدمات بأنفسهم وحل المشاكل بجهدهم الشخصي.
وفي ظل هذا التفاني من المتطوعين لخدمة أوطانهم ومجتمعاتهم، فإن المؤسسات والقيادات المجتمعية مطالبة بإتاحة الفرصة بشكل أكبر أمام مساهمات المتطوعين وتشجيعها، وتدريبهم وتوزيع المهام عليهم بما ينظم طاقاتهم وينمّي من مهاراتهم، وإيجاد مشاريع خاصة بهم تهدف إلى تنمية روح الانتماء والمبادرة لديهم، وأن تمارس وسائل الإعلام دوراً أكبر في التعريف بالنشاطات التطوعية التي تحتاجها المؤسسات الحكومية والأهلية. ونحن جميعاً مطالبون كذلك بتكريم المتطوعين ووضع برامج امتيازات وحوافز لهم، تعبر عن الامتنان المجتمعي لجهودهم التي ترفع لها القبعات.
EN