Skip to main content

نحو نجاحات أكبر لكفالة اليتيم

يكثر انتشار الأيتام في جميع دول العالم، ويزداد عددهم بشكل أكبر في البلدان التي تعاني من النزاعات والحروب، وهو ما يتطلب وجود منظمات إنسانية تستهدف تأمين حياة كريمة لهم بعدد كاف، وهو أيضاً ما يجعل مهمة هذه المنظمات أصعب لتزايد أعداد الأيتام باستمرار، إلى جانب شح الموارد والكفالات المالية المطلوبة لهم.
وتعتبر معظم المنظمات الإنسانية العاملة في مجال رعاية الأيتام أن أعداد الأيتام الذين تكفلهم وتؤمّن لهم الحياة الكريمة عامل مهم لثقة المانحين، وبالتالي لجلب دعم مالي أكبر لكفالات جديدة، وللأنشطة والبرامج المطلوبة، فكلما زادت أعداد الأيتام المكفولين، وزاد رضاهم عن خدمات هذه المنظمات الإنسانية، كلما كان طلب الدعم من المانحين أسهل، والحصول عليه أقرب.
لكن، كيف يطلب موظفو العلاقات العامة والمسوقون في المنظمات الإنسانية العاملة في مجال الأيتام التبرع والدعم من المانحين أو الداعمين؟ إنهم يقومون بداية بتقدير التكلفة المالية المطلوبة ليحيا اليتيم حياة كريمة نوعا ما، وقد يُضاف مبلغ مالي معين كأتعاب إدارية للمنظمة ذاتها، وبالتالي يصبح هناك مبلغ مالي يُطالب موظفو العلاقات العامة والمسوقون بتأمينه شهرياً لكل يتيم، حتى يعيش هذا اليتيم الحياة الكريمة المتواضعة، وهو ما نسميه كفالة اليتيم.
فعلى الداعم أن يدفع شهرياً مبلغاً مالياً معيناً ولفترة لا تقل عن عدة أعوام حتى يكون كافلاً لليتيم، وبالتالي، يأخذ الأجر من الله تعالى، على الكثير أو القليل.
وقد يحدث مع المسوقين عند مقابلتهم للداعمين لعرض كفالة اليتيم عليهم، أن يقول أحد الداعمين (وهو ما حصل فعلاً): "أُفضّل أن أكفل يتيماً في المناطق النائية" !!! ... فبكل بساطة، تنخفض كفالة اليتيم من مكان لآخر بحسب المستوى الاقتصادي للمعيشة في مكان ما، فيكون مبلغ كفالة اليتيم أقل في تلك المناطق لانخفاض مدخلاتها، فالداعم يكفل أكثر من يتيم بنفس الثمن أو المبلغ المالي المطلوب، ويبتغي الأجر الأكبر!
إذا كان هذا ما يحصل فعلاً، وهكذا يتعامل مسوّقو المنظمات الإنسانية مع كفالة اليتيم، فيعرضونها على الداعمين كتكلفة على المنظمة الإنسانية، وتكون التكلفة هي لغة الخطاب، أفلا نقوم بذلك بتسويق ثمن كفالة اليتيم لا قيمتها؟ وماذا يختلف ذلك عن تسويق المنتجات والبضائع في المحلات التجارية؟ 
كفالة اليتيم: تسويق الثمن.. أم تسويق القيمة ؟
إن معظم أصحاب المحلات التجارية يقومون باحتساب تكلفة البضائع عليهم، ثم يقومون بإضافة هامش ربح، قد يكون بسيطاً كمحلات السوبر ماركت، وقد يكون كبيراً كشركات الأدوية والخدمات وغيرها، ثم يقومون ببيع هذه المنتجات بعد تسويقها، ويجنون من ذلك الربح الوفير.
فماذا اختلفت هذه الصورة عن تلك؟ لقد اعتمدت كلها على الثمن، ولماذا انصرفت الشركات العملاقة عن التعامل مع منتجاتها بالثمن، وصارت تتعامل معها بالقيمة؟
ألسنا نشتري بعض المنتجات الصغيرة (كمؤشر الليزر الذكي مثلاً) بثمن أغلى من (خلاط الطعام مثلاً)؟ مع أن تكلفة المواد التي دخلت في صناعة خلاط الطعام كانت أعلى من تكلفة المواد التي دخلت في صناعة مؤشر الليزر الذكي.
عندما سُئل أصحاب الصناعة السؤال أعلاه، أجابوا بعبارة مقتضبة: "ما الذي يشكل غيابه عبئاً أكبر على العميل؟"... "ما الذي يشكل وجوده إضافة نوعية عند العميل؟"... إنه مفهوم القيمة، الذي يقف على الطرف الآخر من مفهوم الثمن. 
فعلينا أن نتجاهل الثمن عند التسويق ونركّز على القيمة، ليصبح سؤال أصحاب الصناعة أعلاه سؤالاً يناسب المنظمات الإنسانية عند التسويق فيصبح: "ما تأثير كثرة وجود الأيتام والفقراء الذين هم دون رعاية على المجتمع؟"... "وما الإضافة النوعية على المجتمع التي يشكّلها وجود أيتام يتكافل معهم المجتمع؟"... إنه مفهوم القيمة نعم، الذي يقف على الطرف الآخر من مفهوم الثمن.
إن علينا أن نغير من دوافعنا التي نقنع بها الداعمين لدعم الأيتام وكفالتهم، فنتحول بها من التركيز على الثمن الذي سيتم إنفاقه على كفالتهم، إلى التركيز على الصلاح الذي سيسود المجتمع بوجود أيتام مكفولين، ليصبح ما يبذله الداعم من مال لدعم هذا الصلاح .. زهيداً جداً، إذ إن المقابل الذي سيجنيه هذا الداعم كمواطن صالح حريص على المجتمع، أعظم بكثير مما بذله من مال.
وهذا بصراحة ما تعمل عليه بعض المنظمات الإنسانية العاملة في مجال رعاية الأيتام، فهي تعتمد مبدأ الإدارة بالنتائج كمنهجية لقياس الأثر من الأهداف التي تعمل على تنفيذها، وتحرص على تحقيق نظرة هذه المنهجية للنتائج، فالنتيجة من وجهة نظر (الإدارة بالنتائج) تأتي على ثلاثة مستويات يجب تحقيقها كاملة:
المستوى الأول: نتائج مباشرة بعد تنفيذ الأنشطة (مخرجات): فبعد عمليات المسح الميداني والمقابلات والكفالات مثلاً ينتج اليتيم المكفول مالياً وتربوياً، وبذا، تنتقل المنظمة من منظمة بلا أيتام ترعاهم إلى منظمة تأخذ دورها في المجتمع ولديها عدد لا بأس به من الأيتام المكفولين مالياً وتربوياً وعلمياً ...إلخ، وهذا هو المستوى الأول من النتائج التي يُطمح إلى الوصول إليها.
المستوى الثاني: نتائج مباشرة بعد تنفيذ أنشطة الخطة على المستفيدين (نتائج متوسطة المدى): ونعني بها أن يظهر أثر الكفالة على اليتيم، فتتوافق أقوال اليتيم وأفعاله مع ما يحمل في فؤاده وعقله من أثر طيب زرعته فيه المنظمة الإنسانية التي تعمل على كفالته ورعايته بأنشطة علمية وتربوية. وبتركيزنا على هذا المستوى من النتائج، سيصبح من النادر بل من المستحيل أن نرى اليتيم سيء الخلق أو الذي يتسرب من المدارس إلى أوكار الفساد ...إلخ. فإلى أي مدى ارتقت المنظمات الإنسانية العاملة في مجال الأيتام في هذا المستوى؟ نترك لكم الإجابة. 
المستوى الثالث: أثر الأنشطة النهائي سواءً على الأوضاع الاجتماعية أو الاقتصادية أو الصحية أو غيرها (تأثيرات بعيدة المدى): إنه القيمة التي يشكلها وجود الأيتام المكفولين في المجتمع.
وبما أن المنظمات الكافلة للأيتام في دولة ما منتشرة في كل بقاع هذه الدولة، فكذا، الأيتام المكفولون منتشرون في كل أرجاء الدولة، وراية الخير التي يحملها يتيم مدينة  في جنوب الدولة، تخفق في مدينة في شمال الدولة، وكذا يدوّي صوتها في مدن الوسط... ببساطة، إنه المجتمع الصالح المصلح، عملت وما زالت تعمل هذه المنظمات على إيجاده دوما.
القيمة أيها الخيّرون والخيّرات، قيمة الشخوص: اليتيم طالب العلم واليتيم الخلوق واليتيم الذي أصبح طبيباً منتمياً لمجتمعه..، وقيمة الأماكن: المنظمة الإنسانية، وفروعها المنتشرة في الدولة، ومدارسها... ابحثوا عن القيمة في كل مفاصل عمل هذه المنظمات الإنسانية، وستجدون فيها أكثر بكثير مما توقعتم وجوده في غيرها.